28 فبراير, 2016  

بقلم محمد بن راشد

كثير من الأسئلة والتعليقات والمكالمات وملخصات الأخبار تلقيتها وقرأتها خلال الأسبوع الماضي، كلها تدور حول التغيير الحكومي الذي أجريناه مؤخراً في دولة الإمارات.. وزراء للسعادة والتسامح والمستقبل، ووزيرة للشباب بعمر الـ22 عاماً، وتغييرات هيكلية في التربية والتعليم والصحة وإدارة الموارد البشرية وغيرها. البعض تناول التغييرات بالإعجاب - وهم كثيرون- وآخرون بالاستغراب، وفريق ثالث من وراء البحار قارن التغييرات ببناء أطول برج، وأكبر جزيرة. وكأن التغييرات جزء من حملة دعاية تقوم بها دولة الإمارات.

ولعلي أوجه خطابي اليوم للفريقين الأخيرين.. لأشرح لهم بشكل مختصر لماذا غيّرنا..

نحن غيّرنا لأننا تعلمنا الكثير خلال الخمس سنوات الأخيرة، تعلمنا من أحداث المنطقة حولنا، وتعلمنا من دروس التاريخ، وتعلمنا أيضاً من جهود كثيرة بذلناها لاستشراف المستقبل.

تطلعات الشباب

علمتنا منطقتنا وعبر أحداث رهيبة مرت بها في السنوات الأخيرة، أن عدم الاستجابة لتطلعات الشباب الذين يمثلون أكثر من نصف مجتمعاتنا العربية، هو سباحة في عكس التيار، وبداية النهاية للتنمية والاستقرار.

علمتنا منطقتنا أن الحكومات التي أدارت ظهرها للشباب وسدت الأبواب أمامهم، إنما سدت أبواب الأمل لشعوب كاملة، نحن لا ننسى أن بداية التوترات في المنطقة وما يسمى للأسف ربيعاً عربياً إنما كانت لأسباب تتعلق بتوفير فرص للشباب وبيئة يستطيعون من خلالها تحقيق أحلامهم وطموحاتهم.

نحن دولة شابة ونفخر بذلك ونفخر أيضاً بشبابنا ونستثمر فيهم، ونمكن لهم في وطنهم، وعينا وزيرة شابة من عمرهم وأنشأنا مجلساً خاصاً لهم، ونؤمن بأنهم أسرع منا في التعلم والتطور والمعرفة لامتلاكهم أدوات لم نمتلكها عندما كنا في أعمارهم، ونعتقد جازمين بأنهم هم الذين سيصلون بدولتنا لمراحل جديدة من النمو والتطور.

علمتنا السنوات الأخيرة في منطقة الشرق الاوسط «الجديد» أننا نحتاج أن نتعلم التسامح، ونعلمه، ونمارسه.. أن نرضعه لأطفالنا فكراً وقيماً وتعليماً وسلوكاً، أن نضع له قوانين وسياسات ومنظومة كاملة من البرامج والمبادرات.

نعم تعلمنا ذلك من مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين والمنكوبين الذين رأيناهم في آخر خمس سنوات في هذه المنطقة، بسبب التعصب والكراهية وعدم التسامح الطائفي والفكري والثقافي والديني.

لا يمكن أن نسمح بالكراهية في دولتنا، ولا يمكن أن نقبل بأي شكل من أشكال التمييز بين أي شخص يقيم عليها أو يكون مواطناً فيها، لذلك عينا وزيراً للتسامح.

عندما كانت المنطقة في أزهى عصورها، متسامحة مع الآخر ومتقبلة للآخر، سادت وقادت العالم.. من بغداد لدمشق للأندلس وغيرها. كنا منارات للعلم والمعرفة والحضارة، لأننا كنا نستند إلى قيم حقيقية تحكم علاقاتنا مع جميع الحضارات والثقافات والأديان من حولنا حتى عندما خرج أجدادنا من الأندلس خرج معهم اليهود ليعيشوا بينهم، لأنهم يعرفون تسامحنا.

نعم تعلمنا من التاريخ أهمية التسامح، ولكن جاءت الأحداث الأخيرة في منطقتنا لتؤكد لنا أنه لا مستقبل لهذه المنطقة بدون إعادة إعمار فكري ترسخ قيم التسامح والتعددية والقبول بالآخر فكرياً وثقافياً وطائفياً ودينياً.

التسامح ليس فقط كلمة نتغنى بها بل لابد أن يكون لها مؤشرات ودراسات وسياسات وترسيخ سلوكي في مجتمعنا لنصون مستقبله ونحافظ على مكتسبات حاضره.

حديث المستقبل

نحن دولة.. نتعلم كل يوم، ومع كل درس نتعلمه لابد أن نأخذ قرارات لنطور بها مستقبلنا. وبالحديث عن المستقبل، ولماذا غيرنا اسم إحدى الوزارات لتكون أيضاً وزارة للمستقبل، أقول: لأننا نتعلم أيضاً من المستقبل، وليس فقط من التاريخ.

بذلنا جهوداً كبيرة في السنوات الأخيرة لاستشراف المستقبل، ولدينا خطط كبيرة وسياسات وطنية علمية وتقنية تتجاوز قيمتها الـ300 مليار درهم، استعداداً لاقتصاد المستقبل، اقتصاد لا يجعل أجيالنا رهينة لتقلبات أسواق النفط ومضارباتها وعرضها وطلبها.

لابد لحكوماتنا أن تفكر بما بعد اقتصاد النفط من اليوم، لابد من إعادة النظر في المنظومة التشريعية والإدارية والاقتصادية بشكل كامل للابتعاد عن الاقتصادات المعتمدة على النفط.. لابد من وضع بنية تحتية تنظيمية ومادية قوية لبناء اقتصادات مستدامة لأبنائنا ولأبناء أبنائنا.

نعم نحن مغرمون بالمستقبل وما يحمله.. المستقبل يحمل تغييرات عظيمة في الصحة وطرق التعليم وفي إدارة مدن المستقبل وفي الخدمات الذكية وفي التنقل المستقبلي وفي الطاقة المتجددة وفي الفضاء، ونحن وضعنا رهاننا في موجة التغييرات القادمة، واستثمرنا في أبنائنا وتجربتنا م

Advertisement


H